أحمد بن محمد مسكويه الرازي

308

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ان الانسان من جملة الأمور الكائنة وقد تبين في الآراء الفلسفية ان كل كائن فاسد لا محالة ، فمن أحبّ لا يفسد فقد أحبّ أن لا يكون ، ومن أحب ان لا يكون فقد أحبّ فساد ذاته ، فكأنه يحب ان يفسد ويحب ان لا يفسد ، ويجب ان يكون ويحب ان لا يكون ، وهذا محال لا يخطر ببال عاقل . وأيضا فإنه لو لم يمت أسلافنا وآباؤنا لم ينته الوجود الينا ، ولو جاز ان يبقى الإنسان لبقي ما تقدمنا ، ولو بقي من تقدمنا من الناس على ما هم عليه من التناسل ولم يموتوا لما وسعتهم الأرض ، وأنت تتبين ذلك مما أقول : هب ان رجلا واحدا ممن كان منذ أربعمائة سنة هو موجود الآن ، ولكن من مشاهير الناس حتى يمكن ان يحصل أولاده موجودين معروفين كعلي بن أبي طالب عليه السّلام مثلا ، « 1 » ثم ولد له أولاد ولأولاده أولاد وبقوا كذلك يتناسلون ولا يموت منهم أحد ، كم يكون مقدار من يجتمع منهم في وقتنا هذا . فإنك تجدهم أكثر من عشرة آلاف الف رجل ، وذلك ان بقيتهم الآن مع ما قدر فيهم من الموت والقتل الذريع أكثر من مائة الف نسمة في جميع الأرض ، واحسب لمن كان في ذلك العصر من الناس على بسيط الأرض فإنه محدود معروف لتعلم أنّ الأرض حينئذ لا تسعهم قياما فكيف قعودا أو متصرفين ، ولا يبقى موضع عمارة يفضل عنهم ولامكان زراعة ولا مسير لأحد ولا حركة ، فضلا عن غيرها ، وهذه مدّة يسيرة من الزمان فكيف إذا أمتد الزمان وتضاعف الناس على هذه النسبة ؟ فهذه حال من يتمنّى الحياة الابديّة للبدن ويكره الموت ، ويظن أن ذلك ممكن أو مطموع فيه من الجهل والغباوة .

--> ( 1 ) . من الممكن يقصد المؤلف السادة العلويون ، حيث أنهم منتشرون في جميع أنحاء العالم ، وهم يرجعون إلى جدّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام هاشم ، وهو أيضا جدّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله . وهؤلاء السادة ينتسبون إلى آل البيت عليهم السّلام .